الفقد ليس دائما فراق الأحبة
بقلم :أيمن بحر
عندما أتحدث عن الفقد فليس بالضرورة أن أقصد فقد الحب كما يظن البعض فالفقد أوسع من أن تختصره علاقة عاطفية أو حكاية انتهت
الفقد قد يكون فقد إنسان كان يمثل لنا الأمان وقد يكون فقد أب أو أم أو أخ أو صديق وقد يكون فقد حلم انتظرناه طويلًا ثم رحل قبل أن يكتمل وقد يكون فقد الصحة أو الراحة أو الطمأنينة أو حتى فقد جزء من أرواحنا التي كانت ذات يوم أكثر حياة
هناك أشياء نفقدها ولا يلاحظ أحد غيابها لأن بعضها لا يترك مكانه فارغًا في البيت لكنه يترك فراغًا عميقًا في القلب
نحن لا نبكي دائمًا على من رحلوا فقط بل نبكي أحيانًا على أنفسنا القديمة وعلى أيام لن تعود وعلى أحلام انطفأت وعلى أشخاص تغيروا حتى أصبحوا غرباء رغم أنهم ما زالوا أمام أعيننا
بعض الناس كالأوطان فراقهم غربة وبعض الناس كالأرواح فراقهم موت وبعضهم كالأمراض فراقهم حياة
وهناك من نكتشف بعد رحيله أن وجوده كان جزءًا من اتزاننا وأن غيابه لم يكن مجرد رحيل شخص بل كان رحيل شيء من داخلنا
الفقد الحقيقي ليس أن يرحل أحدهم عن حياتك فقط بل أن ترحل معه أشياء كثيرة كنت لا تعرف قيمتها إلا بعد غيابه
قد نفقد الثقة بعد خذلان وقد نفقد الأمان بعد صدمة وقد نفقد الرغبة في الحديث بعد أن نكتشف أن الكلام لم يعد يغير شيئًا وقد نفقد شغفنا بالحياة حين تتراكم علينا الخيبات
ومع ذلك نستمر
نبتسم أحيانًا ونحن نحمل في داخلنا مقابر من الذكريات ونمارس حياتنا بصورة طبيعية بينما في أعماقنا أشياء كثيرة انتهت ولم يعرف أحد عنها شيئًا
الفقد يعلمنا أن الإنسان قد يعيش بين الناس وهو يحمل قلبًا مثقلًا بالغياب وأن أقسى أنواع الرحيل ليس رحيل الأشخاص بل رحيل الشعور الذي كان يجعل للحياة معنى
لذلك لا تسأل دائمًا من فقدت
اسأل نفسك ماذا فقدت بداخلك منذ ذلك الرحيل
فربما كان الفقد إنسانًا وربما كان وطنًا وربما كان حلمًا وربما كان سلامًا داخليًا وربما كان نسخة قديمة منك لم تعد تعرف كيف تعود إليها
وفي النهاية يبقى الفقد جزءًا من حكاية كل إنسان فهناك من يتعلم كيف يعيش بعده وهناك من يتظاهر بأنه تجاوزه وهناك من يبتسم فقط لأنه أدرك أن بعض الغياب لا يعوض وأن بعض الذكريات لا تموت
ويبقى أصعب الفقد أن تفقد شيئًا منك وأنت ما زلت حيًا

