أشرف زكي ونجوى إبراهيم ومهرجان الجونة.. هل أصبح الدفاع عن الفنانات أهم من الاستماع إلى رأي الجمهور؟
قراءة نقدية في مسؤولية نقيب المهن التمثيلية وحدود حرية التعبير واحترام الذوق العام
بقلم: أيمن بحر
أثار الجدل الذي اندلع بين الإعلامية الكبيرة نجوى إبراهيم والدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية، على خلفية انتقادها إطلالات بعض الفنانات خلال مهرجان الجونة السينمائي، قضية تتجاوز مجرد الاختلاف حول الملابس والأزياء، لتفتح الباب أمام تساؤلات مهمة بشأن العلاقة بين الفن والمجتمع، ودور النقابة في حماية الفنانين، وحق الجمهور في التعبير عن رأيه فيما يشاهده على الشاشات وفي المناسبات الفنية.
فالقضية هنا ليست معركة بين فنانة وإعلامية، ولا ينبغي أن تتحول إلى خصومة شخصية، وإنما هي نقاش عام حول صورة الفن المصري، وحدود النقد، وكيفية إدارة الاختلاف بين أصحاب المهن الفنية والإعلامية.
أولًا.. نجوى إبراهيم تتحدث من موقع الأم والإعلامية
عندما انتقدت نجوى إبراهيم بعض الإطلالات في مهرجان الجونة، استندت في حديثها إلى فكرة أن لكل مكان طبيعته، وأن الملابس التي تناسب الشاطئ ليست بالضرورة مناسبة لكل مناسبة أو فعالية مهنية.
وخلال المداخلة الهاتفية التي جمعتها بأشرف زكي، أوضحت أنها لم تقصد الإساءة إلى فنانة بعينها، وأنها تحدثت من منطلق شعورها بأنها «ماما نجوى»، التي اعتادت مخاطبة الأجيال الأصغر منها بنوع من النصح والحرص.
وهنا يجب التوقف أمام نقطة مهمة: هل أصبح إبداء الرأي في المظهر العام للفنانات تجاوزًا في حقهن، حتى عندما يكون الحديث عامًا ولا يستهدف أشخاصًا بأسمائهم؟
الإجابة المهنية تقتضي التفرقة بين النقد والإهانة. فمن حق أي إعلامي أن يناقش ظاهرة عامة، ومن حق الفنانة كذلك أن ترفض النقد أو ترد عليه، لكن الفيصل ينبغي أن يكون مضمون الكلام وأسلوبه، وليس مجرد اختلاف وجهات النظر.
ثانيًا.. أشرف زكي نقيبًا للممثلين وليس طرفًا في مشاجرة
الدكتور أشرف زكي يتولى مسؤولية نقابية تتطلب منه الدفاع عن حقوق أعضاء النقابة وكرامتهم المهنية، ومن الطبيعي أن يتدخل عندما يرى أن تصريحات إعلامية قد تحمل تعميمًا أو إساءة إلى الفنانات.
وقد طالب نجوى إبراهيم بتوضيح الأسماء التي تقصدها والاعتذار عن التعميم، مؤكدًا رفضه لما اعتبره إساءة إلى الفنانات، وذلك وفقًا لما نشرته وسائل إعلام عن البيان والمداخلة الهاتفية يوم 29 أكتوبر 2026.
لكن السؤال النقدي الذي يفرض نفسه هنا هو: هل كان من الأفضل أن ينصب التركيز على طلب توضيح المقصود من التصريحات، ومناقشة مضمونها بهدوء، بدلًا من أن يتسع الخلاف ليصبح مواجهة إعلامية تستقطب الجمهور إلى معسكرين؟
إن مسؤولية النقيب لا تقتصر على حماية الفنانات من الإساءة، بل تشمل أيضًا الحفاظ على مساحة للحوار مع الإعلام والجمهور، لأن النقد جزء أصيل من الحياة العامة، ولا يمكن التعامل معه كله باعتباره هجومًا على الوسط الفني.
وفي المقابل، فإن حق الإعلامي في النقد لا يمنحه حصانة من المساءلة المهنية إذا تجاوز إلى التعميم الجارح أو التشهير. وهذه هي المعادلة التي تستحق أن تحكم النقاش.
ثالثًا.. هل انتقاد الملابس إساءة إلى الفن المصري؟
من الضروري ألا نخلط بين نقد اختيار الملابس والحكم على قيمة الفنانة أو تاريخها أو موهبتها.
فالفنانة لا تختصرها إطلالتها، والفن المصري أكبر من أن يُقاس بصورة واحدة على السجادة الحمراء. كما أن نجاح أي مهرجان لا ينبغي اختزاله في الأزياء المثيرة للجدل، بل يجب تقييمه من خلال الأفلام والندوات والمشاركات الثقافية والإسهام في صناعة السينما.
ومع ذلك، فإن الاهتمام بالمظهر العام للفنانين في المهرجانات أمر متوقع، لأن هذه الفعاليات تحظى بتغطية إعلامية واسعة، وتصبح اختيارات المشاركين فيها جزءًا من النقاش المجتمعي.
ومن حق الجمهور أن يعبّر عن إعجابه أو رفضه، بشرط ألا يتحول هذا الرأي إلى إهانة شخصية أو انتقاص من كرامة أحد.
كما أن احترام الفنانات لا يعني بالضرورة الاتفاق مع جميع اختياراتهن، مثلما أن احترام الجمهور لا يعني إلزام الفنانين بتبني وجهة نظر واحدة.
رابعًا.. لماذا تختلف الإطلالات من مهرجان إلى آخر؟
من الأسئلة التي تستحق النقاش ما أُثير بشأن ظهور بعض الفنانات بإطلالات مختلفة في مناسبات فنية متعددة، وما إذا كانت طبيعة الفعالية أو قواعدها أو طبيعة جمهورها تؤثر في اختيارات الملابس.
لكن لا يصح أن نُصدر حكمًا عامًا على مهرجان بعينه، أو أن نفترض أن جميع الفنانات يتصرفن بالطريقة نفسها، دون مقارنة موثقة بين قواعد الفعاليات وظروف المشاركة فيها.
الأهم هو أن تكون هناك معايير واضحة ومعلنة، إذا قررت الجهات المنظمة اعتماد ضوابط خاصة بالمظهر أو اللباس، وأن تُطبق هذه المعايير بصورة متسقة على المشاركين، دون انتقائية أو استهداف لأشخاص بعينهم.
فالمهرجانات الفنية ليست مجرد مناسبات لالتقاط الصور، وإنما منصات ثقافية وفنية، ومن حق منظميها أن يحددوا طبيعة الفعالية ورسالتها، مع احترام حرية المشاركين وحقوقهم.
خامسًا.. ماذا ننتظر من نقيب المهن التمثيلية؟
إن المنصب النقابي مسؤولية قبل أن يكون وجاهة، ويتطلب الاستماع إلى مختلف الأطراف، لا الاكتفاء بالدفاع عن طرف واحد في أي خلاف.
ومن هنا، فإن المطلوب من الدكتور أشرف زكي هو إدارة هذا النوع من الأزمات باعتباره مسؤولًا عن نقابة تضم فنانين أصحاب تجارب ومدارس مختلفة، وباعتباره أيضًا شخصية عامة تحظى تصريحاته باهتمام واسع.
ويمكن أن يتحقق ذلك من خلال عدة خطوات:
أولًا: التأكيد على حق الفنانات في الاحترام والحماية من التشهير والإساءة الشخصية.
ثانيًا: احترام حق الإعلاميين والجمهور في النقد الموضوعي، وعدم مساواة كل رأي مخالف بالإهانة.
ثالثًا: تشجيع الحوار الهادئ بدلًا من تصعيد الخلافات عبر البيانات والمداخلات المتوترة.
رابعًا: دعوة منظمي المهرجانات إلى توضيح فلسفة الفعاليات وأي قواعد اختيارية أو تنظيمية تتعلق بالمظهر العام، حتى لا يبقى النقاش أسير الانطباعات الشخصية.
خامسًا: إعادة توجيه الاهتمام

