القرن الأفريقى على حافة التصعيد ومصر تتحرك لحماية أمن البحر الأحمر
بقلم: أيمن بحر
تدخل منطقة القرن الأفريقى مرحلة شديدة الحساسية فى ظل تجدد المواجهات المسلحة داخل إثيوبيا وتصاعد التوتر بين أديس أبابا وأسمرة وتزايد المخاوف من اتساع رقعة الصراع إلى مناطق جديدة بما قد ينعكس على أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية ومصالح دول المنطقة
ولم تعد التطورات الجارية محصورة فى المواجهات داخل إقليم تيجراي فحسب بل باتت مرتبطة بمجموعة من الملفات المتشابكة في مقدمتها الخلاف حول الوصول إلى البحر الأحمر والتنافس على النفوذ الإقليمي ومستقبل العلاقات بين إثيوبيا وجيرانها
تيجراي تعود إلى واجهة المواجهة
شهدت الأيام الأولى من أكتوبر 2026 تصعيدا عسكريا جديدا في شمال إثيوبيا حيث أفادت تقارير صحفية دولية باستعادة القوات الحكومية وحلفائها مواقع مهمة في محيط مدينة مقلي عاصمة إقليم تيجراي بما في ذلك المطار
وتأتي هذه التطورات في ظل تجدد المواجهة بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيجراي وتحالفات مع قوى معارضة مسلحة الأمر الذي يعيد إلى الأذهان الحرب التي شهدها الإقليم بين عامي 2020 و2022 وما خلفته من خسائر إنسانية واسعة
غير أن تكرار بعض مشاهد الصراع السابق لا يعني بالضرورة أن الأحداث ستسير بالطريقة نفسها إذ تتوقف مسارات المواجهة على توازنات القوى على الأرض ومواقف القيادات المحلية وإمكانية التوصل إلى تسوية سياسية
وتكمن الخطورة في أن استمرار القتال قد يفتح المجال أمام تدخلات إقليمية مباشرة أو غير مباشرة ويزيد من صعوبة احتواء الأزمة داخل الحدود الإثيوبية
إريتريا في قلب المشهد
تزداد حساسية الأزمة بسبب التوتر التاريخي بين إثيوبيا وإريتريا خاصة مع تجدد الخلاف حول مسألة وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر
فإثيوبيا أصبحت دولة حبيسة عقب استقلال إريتريا عام 1993 وتعتمد بدرجة كبيرة على الموانئ الخارجية في تجارتها الدولية بينما تتمتع إريتريا بساحل استراتيجي يمتد على البحر الأحمر ويضم موانئ ذات أهمية جغرافية واقتصادية
وتثير التصريحات الإثيوبية المتعلقة بالحاجة إلى منفذ بحري مخاوف لدى دول المنطقة من احتمال تحول هذا الملف إلى مصدر لمواجهة عسكرية إذا لم تتم معالجته عبر التفاوض والاتفاقات التي تحترم سيادة الدول وحدودها
وقد زادت حدة التوتر خلال أكتوبر الجاري مع تبادل الاتهامات بين أديس أبابا وأسمرة بشأن التحركات العسكرية ودعم الأطراف المتنازعة داخل إثيوبيا
وأفادت تقارير دولية في التاسع من أكتوبر بتصاعد الاتهامات المتبادلة بشأن دخول قوات إريترية إلى الأراضي الإثيوبية وتنفيذ ضربات بطائرات مسيرة قرب مناطق المواجهات فيما ظلت بعض تفاصيل التحركات العسكرية محل خلاف بين الأطراف المعنية
وتكشف هذه التطورات عن مخاطر حقيقية من انتقال الأزمة إلى مواجهة أوسع تتجاوز حدود إقليم تيجراي
مصر والتحرك الدبلوماسي في العلمين الجديدة
في خضم هذه التطورات استضافت مدينة العلمين الجديدة في الرابع من أكتوبر قمة تشاورية رباعية جمعت الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس الإريتري أسياس أفورقي والرئيس الصومالي حسن شيخ محمود ورئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني عبد الفتاح البرهان
وبحسب البيان الرسمي تناولت القمة سبل تعزيز التنسيق والتعاون بين الدول الأربع إلى جانب التطورات في القرن الأفريقي ومنطقة البحر الأحمر والقضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك
وأكد المشاركون أهمية احترام سيادة الدول ووحدتها وسلامة أراضيها ورفض التدخل في شؤونها الداخلية والعمل على تسوية النزاعات بالوسائل السلمية
كما شددت القمة على ضرورة الحفاظ على أمن البحر الأحمر واستقراره وضمان حرية الملاحة الدولية في خليج عدن ومضيق باب المندب
ويعكس هذا التحرك اهتمام القاهرة بتعزيز التشاور مع الدول المطلة على البحر الأحمر والقرن الأفريقي في وقت تتزايد فيه التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه المنطقة
ومن الناحية الاستراتيجية تمثل هذه المشاورات أهمية خاصة لمصر نظرا لارتباط أمن البحر الأحمر بقناة السويس وحركة التجارة العالمية وسلامة خطوط النقل البحري
ميناء عصب ومعادلة الأمن الإقليمي
يمثل ميناء عصب الإريتري أحد المواقع ذات الأهمية الاستراتيجية في الحسابات المرتبطة بالبحر الأحمر نظرا لموقعه الجغرافي وقربه من خطوط الملاحة المؤدية إلى مضيق باب المندب
لكن أهمية الميناء لا تعني أن السيطرة عليه أصبحت هدفا عسكريا مؤكدا لأي طرف إذ يتطلب تقييم هذا الاحتمال أدلة واضحة على النوايا والتحركات الفعلية وليس الاكتفاء بالتحليلات المتداولة
وتتمثل المعضلة الأساسية في أن أي محاولة لفرض واقع جديد بالقوة في المناطق الساحلية قد تؤدي إلى مواجهة إقليمية واسعة وتعرض التجارة الدولية لمخاطر إضافية
ومن هنا تبرز أهمية الاتفاقات السياسية والتعاون بين الدول المطلة على البحر الأحمر باعتبارهما وسيلتين أساسيتين للحفاظ على الاستقرار ومنع تحويل الموانئ والممرات البحرية إلى ساحات للصراع
الوجود المصري في الصومال بين الحقائق والتقديرات
يمثل التعاون المصري الصومالي أحد الملفات المهمة في العلاقات الإقليمية خلال المرحلة الراهنة خاصة في ظل التحديات الأمنية التي تواجه الصومال والجهود الدولية والإفريقية لدعم مؤسساته
ومع ذلك فإن الحديث عن أعداد محددة للقوات المصرية أو انتشار قطع بحرية بعينها أو وجود ترتيبات عسكرية غير معلنة يحتاج إلى بيانات رسمية أو تقارير موثوقة يمكن التحقق منها
ولا يصح التعامل مع الأرقام المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي باعتبارها حقائق نهائية من دون معرفة مصدرها وتاريخها وطبيعة المهمة التي تتعلق بها
كما ينبغي التمييز بين المشاركة في بعثة متعددة الأطراف والتعاون العسكري الثنائي والتدريب والدعم اللوجستي إذ تختلف هذه الأشكال من حيث طبيعتها وأهدافها والتزاماتها
وتبقى المصالح المصرية في الصومال والبحر الأحمر مرتبطة بدعم الاستقرار ومكافحة الإرهاب وحماية الملاحة وتعزيز التعاون مع الدول الشريكة وفقا للأطر المعلنة
هل تتجه المنطقة إلى حرب إقليمية
لا يمكن الجزم بأن الحرب بين إثيوبيا وإريتريا أصبحت حتمية لكن المؤشرات الميدانية والتصعيد الدبلوماسي يفرضان التعامل مع احتمالات اتساع الصراع بجدية
فاستمرار القتال داخل إثيوبيا بالتزامن مع التوتر الحدودي وتبادل الاتهامات يرفع من مخاطر سوء التقدير ويجعل أي تحرك عسكري جديد قابلا لإشعال سلسلة من ردود الفعل المتبادلة
وفي المقابل تظل هناك فرص لاحتواء الأزمة عبر الوساطات الإفريقية والدولية والعودة إلى قنوات الاتصال المباشر وتجنب الخطوات التي قد تؤدي إلى تغيير الحدود بالقوة
أما بالنسبة لمصر فإن حماية أمن البحر الأحمر لا ترتبط بالضرورة بالدخول في حرب برية داخل الأراضي الإثيوبية بل تشمل مسارات متعددة في مقدمتها التحرك الدبلوماسي والتنسيق الإقليمي ودعم قواعد القانون الدولي والحفاظ على حرية الملاحة
ولا توجد أدلة معلنة كافية تسمح بالجزم بوجود خطة عسكرية مصرية محددة لإغلاق البحر الأحمر أمام إثيوبيا أو تنفيذ عمليات بحرية بعينها في حال اندلاع مواجهة
البحر الأحمر اختبار جديد للتوازنات الإقليمية
تكشف التطورات الحالية عن حقيقة أساسية مفادها أن القرن الأفريقي أصبح ساحة تتداخل فيها المصالح الأمنية والاقتصادية والسياسية بصورة متزايدة
فإثيوبيا تسعى إلى تأمين احتياجاتها التجارية والبحرية بينما تتمسك الدول الساحلية بحقوقها السيادية وتراقب تداعيات أي ترتيبات قد تؤثر على أمن سواحلها وموانئها
وفي قلب هذه المعادلة تبرز مصر بحكم موقعها الجغرافي وارتباط اقتصادها بقناة السويس وحرصها على استقرار البحر الأحمر باعتباره ممرا حيويا للتجارة العالمية
وستظل قدرة دول المنطقة على احتواء الخلافات عبر الحوار واحترام السيادة الوطنية عاملا حاسما في تحديد ما إذا كانت الأزمة الحالية ستبقى في حدود المواجهات المحلية أم ستتحول إلى صراع إقليمي أوسع
إن المعركة الحقيقية ليست فى امتلاك الموانئ وحدها بل في بناء منظومة إقليمية قادرة على حماية الملاحة وتحقيق المصالح المشتركة ومنع اندلاع حرب جديدة يدفع ثمنها المدنيون واقتصادات المنطقة بأكملها

